غير مصنف

د. أيمن السيسي يكتب : توترات الحكم في مالي واختراع الأزمات من نواكشوط

 

قبل أيام من عيد الفطر المبارك، أعلنت السلطات المالية سابقًا أن العسكريين تمكنا من الفرار من مخيم “امبره” في عملية وصفتها بـ”الاستثنائية”، أو هي أقرب إلى مشاهد سينمائية كما نعتها ساخرًا عمدة المكفه عبد الله ولد سيدي حننا، وهو بالفعل ادعاء يثير السخرية أكثر مما يثير الغرابة والحيرة – كما قال الكاتب الكبير محمد محمود أبو المعالي – ويشكل تصرفًا غير لائق لا يمكن التسامح معه، كما وصفه بيان الخارجية الموريتانية.

ولأن أبو المعالي أحد أبرز وأكثر الصحفيين في العالم فهمًا للمنطقة، فهو يعبر عن ذهوله واندهاشه، ويتساءل: “كيف دفع الغباء بالطغمة الحاكمة في باماكو وضواحيها إلى البحث في مخيلتها عن مأوى لاحتجاز الرهائن؟”. وهي لا تحتاج، فالوضع الأمني شبه منهار في مالي، والجيش لا يسيطر سوى على باماكو وجنوبها ومحيط غير متسع حول العاصمة، فإن كان الأمر كذلك، فهل تحتاج جماعة اختطفت جنديين أن تخبئهما في دولة أخرى وهي تسيطر على مساحات شاسعة من الأرض في مالي؟!

فهل يعقل ألا تجد جماعة “النصرة” مكانًا لإيواء جنديين اختطفتهما إلا في معسكر “أمبره” الذي لا تخفي خيامه ولا شوارعه المخططة بين الخيام البلاستيكية شخصًا غريبًا، ولا تحجب صوتًا؟! وهو ما فنده أبو المعالي بحكم تاريخه المهني وخبرته العميقة والدقيقة بهذه المنطقة، مؤكدًا أن هذه الجماعات، و”منذ أول وأكبر عملية اختطاف عرفتها المنطقة لرهائن أوروبيين عام 2003، وهي تسيطر مساحات شاسعة في مالي من أقصى جبال تغرغارت في شمال كِيدال، وأجلهوك، وتسالِيت، وتيمدغين، وتنزواتين”.

وبعيدًا عن تساؤلات أبو المعالي المدهشة، أرى أن هذا الادعاء يؤكد إفلاس حكام باماكو، ويختصر أزمتهم وما يعانون من خلافات “مجدولة” وانعدام للثقة بينهم، ويفضح غباء التصورات والعجز عن حبك الكذبة، لأن موريتانيا أكثر الدول تأثرًا وتضررًا من أزمة انعدام الأمن في بلدهم، ولا يمكن أن تسمح بتواجد أي مظاهر مسلحة أو مسلحون من جماعة أو تنظيم، خصوصًا في هذه المناطق التي تبدو مظاهر تواجد الجيش الموريتاني بكثافة فيها، وعيون الأمن الموريتاني على امتداد خط الحدود وداخل المخيم نفسه بما ينسف هذه الفرية، فضلًا عن وعي أبناء المنطقة.

والجماعة الإرهابية لها ثأر (هزيمتها في غابات واجادو داخل الأراضي المالية) على يد الجيش الموريتاني عام 2011، وكان على رأسه – آنذاك – الرئيس غزواني كرئيس للأركان، وهو يدرك تمامًا كعسكري عظيم، ويدرك وزير دفاعه حننا ولد سيدي وكل القيادات العسكرية والأمنية، أن التهاون مع الجماعات الإرهابية خطر عظيم على ثبات واستقرار الدولة، حتى لا يتركون مجالًا للخلايا الإرهابية فيها أن تقوى، وللأفكار المتشددة أن تطل برأسها من جديد.

فضلًا عن أن المعلومات التي تناثرت على رمال الصحراء تؤكد أن الدولة المالية دفعت فدية عنهما عبر وسطاء محليين، تم توزيعها بينهم وبين جبهة النصرة، وموريتانيا تحمل عنهم مسؤولية الفارين من مواطن النزاع والحروب التي لم يستطع الجيش المالي تأمينها، ويجدون فيها رعاية وحماية – كما قال عمدة المكفه الذي يشارك في رعايتهم وحمايتهم، وهو ما رأيته بنفسي في قرى بلديته المتناثرة على خط الحدود مع مالي – بالتعاون مع منظمات إغاثية دولية.

أعتقد أن مالي، وهي في حالة حرب مع الجماعات الإرهابية ومع الجيش “الأزوادي”، ليس من مصلحتها أن تستعدي موريتانيا التي صبرت على تحرشات عديدة في القرى الحدودية، فلماذا تريد المجموعة الحاكمة في باماكو جر الدولة إلى أزمة مع موريتانيا؟ أعتقد أن من الحكمة ألا يراهنوا على صبر الغزواني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى