مقالات

 حينما تفضح المطالبُ أصحابَها: “المال” مقابل “الولد”.. من يبحث حقاً عن مصلحة الصغير؟

 

​يقولون في فنون التفاوض: “دع خصمك يتحدث طويلاً، ففي ثنايا كلماته ستجد حقيقته التي يحاول إخفاءها”. وهذا بالضبط ما حدث في معركة تعديلات قانون الأحوال الشخصية؛ فنظرة واحدة فاحصة على قوائم مطالب “الطرفين” كفيلة بإنهاء الجدل المثار حول من يراعي حقاً “مصلحة الطفل الفضلى”.

​المشهد الأول: قائمة “المكتسبات المادية”
​على أحد جانبي النزاع، نجد قائمة مطالب لا تتحدث إلا بلغة الأرقام والعقارات. المطالبة بـ:
​الكد والسعاية: تحويل الرباط الأسري إلى عقد استثماري.
​التعويضات المغلظة: وكأن الانفصال صفقة تجارية فاشلة تتطلب تعويضاً.
​الاستحواذ الأبدي على مسكن الحضانة: حتى وإن بلغ الصغير أقصى السن القانوني.
​زيادة النفقات: مع استحداث عقوبات جنائية وحبس لكل من تعثر مالياً.
​هنا، يظهر الطفل في الكادر كمجرد “أداة” أو “وسيلة ضغط” لتثبيت هذه المكتسبات المالية، وتحويل الحضانة من أمانة تربوية إلى “حق انتفاع” عقاري ومالي.

​المشهد الثاني: قائمة “الحق في التربية”
​على الجانب الآخر، نجد مطالب الآباء التي لم تخرج عن إطار “حق الطفل في والده”. مطالب تتلخص في:
​سن الفطرة (7 و9 سنوات): لضمان بناء شخصية الطفل تحت هيبة أبيه.
​الولاية والرقابة: ليمارس الأب دوره كمربٍّ وقائد ومسؤول عن تعليم وصحة ابنه.
​المعايشة والمبيت: الحق الإنساني في احتضان الطفل ليلة واحدة في كنف أهله وعصبته.

​هنا، يظهر الطفل كـ “غاية” وهدف أسمى؛ الأب لا يطلب مالاً ولا تعويضاً، بل يطلب أن “يدفع” من ماله وجهده ووقته في سبيل تربية ابنه ومراقبته.

الفرق واضح.. فمن الذي يُحب الطفل حقاً؟
​الفرق بين من يطلب “المال” وبين من يطلب “الولد” هو الفرق بين الاستحواذ وبين الاحتواء. الطرف الذي يستميت للاحتفاظ بالحضانة لسن الـ 15 مع ضمان تدفق الأموال، هو طرف يختزل مصلحة الطفل في “المأكل والملبس”، بينما الطرف الذي يطلب المبيت والولاية هو الذي يدرك أن الطفل يحتاج لـ “القدوة والسند” أكثر من حاجته للأرقام البنكية.

​كلمة أخيرة للرأي العام والمشرع:
​لقد فضح المنطق نفسه؛ فلا يمكن لمن يجعل “الكد والسعاية” والتعويضات على رأس أولوياته أن يقنعنا بأنه يخشى على مصلحة الطفل النفسية. مصلحة الطفل الحقيقية ليست في تحويل والده لـ “صراف آلي”، بل في وجوده تحت ولاية أبيه التي تمنحه الأمان، والحياء، والمرجلة.

​النزاع اليوم ليس بين رجل وامرأة.. بل بين “مكاسب مادية” و”تربية سوية”.

“وتبقى الآراء الواردة في هذا المقال تعبيرًا عن رؤية كاتبه وحده، وهو المسؤول عنها كامل المسؤولية.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى