مقالات

الشركات التجارية في مصر: بين الطبيعة العقدية والاستقلال القانوني

 تُعد الشركات التجارية القلب النابض للنشاط الاقتصادي المعاصر؛ فبينما يقتصر دور التاجر الفرد على إمكانياته المحدودة، تنطلق الشركات ككيانات جماعية تجمع رؤوس أموال ضخمة وتدير مشروعات عملاقة قد تقترب ميزانياتها من ميزانيات دول بأكملها وفي هذا المقال، نستعرض “النظرة العلوية” والشاملة للنظام القانوني للشركات في مصر، كما تناولها الدكتور وائل بندق في محاضرته الافتتاحية.
أولاً: محامي الشركات.. فك الالتباس عن المصطلح
كثيرًا ما يحيط مصطلح “محامي الشركات” نوع من الغموض المهني. فالدور الحقيقي للمحامي في هذا المجال لا يقتصر على مجرد استيفاء أوراق التأسيس، بل هو عقل قانوني شامل يتابع مسار الشركة بعد ولادتها وينقسم المحامون في هذا القطاع إلى نوعين: محامي داخلي تابع للشركة وموظف بها، ومحامي حر يقدم استشارات خارجية أو يتولى النزاعات الكبرى . والرسالة الأهم هنا هي أن محامي الشركات لا بد أن يكون مُلمًا بشتى فروع القانون (مدني، عمل، ضرائب، وجنائي)؛ لأن مشكلات الشركات لا تحصر نفسها في قانون واحد
ثانياً: ماهية الشركة.. عقد “يتمرد” على الطابع العقدي
وفقاً للمادة التي وضعها الدكتور عبد الرزاق السنهوري، الشركة هي عقد يلتزم بمقتضاه شخصان أو أكثر بالمساهمة في مشروع مالي بتقديم حصة من مال أو عمل لاقتسام الربح والخسارة
. ورغم أن الشركة تبدأ كعقد يتطلب (التراضي، المحل، السبب، والأهلية)، إلا أنها تختلف عن العقود التقليدية في أمور جوهرية:
توافق المصالح: بخلاف عقد البيع الذي تقوم فيه مصلحة المشتري ضد مصلحة البائع، يقوم عقد الشركة على توافق الشركاء لإنجاح المشروع
مرونة التعديل: يمكن تعديل عقد الشركة بالأغلبية وليس بالإجماع كما في سائر العقود
ميلاد الكيان: يتمخض عن هذا العقد ولادة شخص معنوي مستقل باسم وموطن وذمة مالية منفصلة تماماً عن ذمة الشركاء
ثالثاً: أركان تأسيس الشركة
لكي تنشأ الشركة قانوناً، يجب توافر أركان موضوعية خاصة
تعدد الشركاء: الحد الأدنى شريكان، باستثناء شركة المساهمة (3 شركاء) وشركة الرجل الواحد (شخص واحد)
تقديم الحصص: قد تكون نقدية، عينية (عقارات/سيارات)، أو حصة بالعمل (الإدارة) كأن يدخل شريك بمعدات مثلا
اقتسام الأرباح والخسائر: وهو ركن جوهري يُبطل “شرط الأسد” الذي يحاول إعفاء أحد الشركاء من الخسارة
نية الاشتراك: الرغبة الحقيقية في التعاون لتحقيق غرض الشركة
. هذا بجانب الأركان الشكلية المتمثلة في الكتابة والشهر لإعلام الغير بميلاد هذا الشخص المعنوي
رابعاً: الأشكال السبعة للشركات في مصر
يصنف القانون المصري الشركات إلى ثلاث طوائف رئيسية تختلف باختلاف الاعتبار (شخصي أم مالي)
شركات الأشخاص (الاعتبار الشخصي هو الأساس): وتضم شركة التضامن، وشركة التوصية البسيطة، وشركة المحاصة المستترة التي لا تتمتع بشخصية معنوية.
شركات الأموال (الاعتبار المالي هو الأساس): وتتجسد في شركة المساهمة، وهي النموذج الأمثل لجمع المدخرات ولا عبرة فيها بشخص الشريك.
الشركات المختلطة: وتجمع بين خصائص النوعين، وتشمل التوصية بالأسهم، والشركة ذات المسؤولية المحدودة، وشركة الشخص الواحد
خامساً: المعيار الشكلي والقانون الحاكم
منذ عام 1999، اعتمد المشرع المصري “المعيار الشكلي”؛ فمتى اتخذت الشركة أحد الأشكال السابقة (عدا المحاصة) فهي شركة تجارية بقوة القانون، حتى لو مارست نشاطاً مدنياً كالزراعة أما عن القوانين المنظمة، فيوجد انقسام غريب في النظام المصري:
شركات الأشخاص: لا تزال محكومة بالجزء الباقي من قانون التجارة القديم لسنة 1883
باقي الشركات: تخضع لـ قانون 159 لسنة 1981، بالإضافة لقانون الاستثمار وقوانين قطاع الأعمال

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى