مقالات

إلى زميلي: الطريق الذي لا يخبرك عنه أحد

 

 في أول الطريق

يقف الشاب.. وقد ارتدى بدلته حديثاً يُصلح من هيئته وينظر إلى المرآة نظرة المنتصر
كأنما بلغ الغاية وأدرك المنتهى.
ولا يدري..
أن ما بلغه إنما هو بداية الطريق لا نهايته.

يا أخي
إن كنتَ قد دخلتَ المحاماه فأعلم أنك لم تدخل مهنةً كسائر المهن.. بل ولجتَ ميداناً لا يُثبِّت فيه قُدماً إلا من صبر
ولا يعلو فيه شأناً إلا من احترق زمناً.

رأيتُ – وما أكثر ما رأيت –
شباباً دخلوا هذا الطريق بقلوبٍ مُفعمة وأحلامٍ متدفقة
يطلبون الرفعة ويُمنّون أنفسهم بالمال والشهرة والمكانة

ثم ما لبثوا..
أن خفتت أصواتهم وخمد ذكرهم
كأن لم يكونوا يوماً من السائرين فيه.

أتدري لِمَ؟
لأنهم ظنّوا أن المحاماة تُؤخذ اقتحاماً – أو هكذا نظرته للحياة ككل – وأن المجد يُنال استعجالاً.
وما علموا أن هذه المهنة لا تُعطيك بعضَها حتى تأخذ منك كُلَّك.
نعم
قد تُصيب من المال طرفاً في بداياتك
وقد يفتح لك العمل أبواباً سريعة.. فتظن أنك قد بلغت.
ولكن
مهلًا..
فإن هذا الذي تراه مكسباً
إنما هو ظلٌّ زائل لا يلبث أن ينقشع.
وحينها..
ستجد نفسك عدداً في جموع، وأسماً في قوائم لا يُعرَف لك أثر ولا يُذكر لك صدى.

فإن سألت: فما النجاة؟
قيل لك:
أن تبني نفسك قبل أن تبني عملك.

اعلم..
أن المحاماة ليست مرافعةً تُلقى
ولا صوتًا يعلو
ولا حضوراً يُرى
بل هي قبل ذلك وبعده.. فِكْرٌ يُصاغ وقلمٌ يُتقن.

فالكتابة القانونية
ليست ترفاً كما يظن الغافلون بل هي عَصَب هذه المهنة وعمودها الذي تقوم عليه.
مذكرةٌ مُحكَمة.. قد ترفع دعوى وتُحيي حقًا وتُقيم حجة.
وأخرى ركيكة.. قد تهدم قضية ولو كان الحق ظاهراً جليّاً.

فإياك أن تُهمل قلمك
وإياك أن تظن أن البيان يُؤتى دفعةً واحدة.

بل هو صنعةٌ
تُؤخذ بالكدّ وتُبنى بالتكرار ويُصقَل حدُّها بالصبر.
لا تستعجل فإن كل ساعةٍ تقضيها اليوم في بناء نفسك
ستعود عليك غدًا مضاعفة:
قوةً ومكانةً وثراءً وذكراً بين الناس ، ولكن.. ليس الآن.

فإن أبيتَ إلا العجلة.. ضللت.
وإن صبرت.. بلغت.

وفي الختام
ليست المحاماة لكل أحد
ولكنها..
إن صَدَقَ صاحبها وصبر على طريقها
صنعت منه ما لم يكن يتصوره يومًا.

“وتبقى الآراء الواردة في هذا المقال تعبيرًا عن رؤية كاتبه وحده، وهو المسؤول عنها كامل المسؤولية.”

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى