مقالات

التحكيم كآلية لإصلاح علاقات العمل وتعزيز العدالة الناجزة

 

بقلم ا مصطفى الحداد

يُعد التحكيم أحد أهم الآليات الحديثة لفض المنازعات في بيئة العمل، لما يتميز به من سرعة ومرونة مقارنة بإجراءات التقاضي التقليدية، ويعكس تنظيمه في التشريعات مدى تطور النظام القانوني وقدرته على تحقيق التوازن بين متطلبات العدالة الناجزة وضمانات حقوق الأطراف. وقد شهد التحكيم في مصر تحولًا ملحوظًا بين قانون العمل رقم 13 لسنة 2003 وقانون العمل الجديد لسنة 2025، حيث كان النظام في القانون السابق يتسم بالطابع الإجباري، إذ يُلجأ إليه كمرحلة لاحقة بعد فشل وسائل التسوية الودية من تفاوض ووساطة وتوفيق، وذلك في إطار المنازعات الجماعية. وكانت هيئة التحكيم تُشكل بقرار من الوزير المختص برئاسة قاضٍ وعضوية ممثلين عن العمال وأصحاب الأعمال مع إمكانية الاستعانة بالخبراء عند الحاجة، وكان الحكم يصدر خلال ثلاثين يومًا من بدء نظر النزاع ويُعد نهائيًا وملزمًا مع جواز الطعن عليه بالبطلان في حالات محددة، كما نص القانون على تشكيل هيئة التحكيم خلال خمسة عشر يومًا من تاريخ إحالة النزاع، وفي حال اتفاق الأطراف كان يتولى المركز المختص اختيار المحكمين وفقًا للقواعد المنظمة، ويُعتبر الحكم الصادر نهائيًا وقابلًا للتنفيذ بعد إكسابه الصيغة التنفيذية من المحكمة العمالية المختصة، إلا أنه رغم وضوح هذه الإجراءات، فقد افتقر النظام إلى الطابع المؤسسي لعدم وجود مركز تحكيم دائم، حيث كانت الهيئة تُشكل لكل نزاع على حدة، وهو ما أثر على الاستقرار والكفاءة.
ومع صدور قانون العمل الجديد لسنة 2025، حدث تحول جوهري في فلسفة التحكيم، إذ لم يعد إجراءً إجباريًا وإنما أصبح نظامًا اختياريًا يخضع لإرادة الأطراف، سواء من خلال شرط تحكيم مسبق أو باتفاق لاحق بعد نشوء النزاع، وهو ما يعكس توجهًا تشريعيًا حديثًا يعزز من حرية التعاقد ويشجع على استخدام الوسائل البديلة لفض المنازعات. وقد صاحب هذا التحول إنشاء مركز تحكيم متخصص يتبع وزارة القوى العاملة، يضم آليات متكاملة تشمل الوساطة وقوائم لمحكمين مؤهلين، بما يعزز الطابع المؤسسي ويضمن قدرًا أكبر من الاحترافية في إدارة المنازعات، كما وضع القانون ضوابط دقيقة لاختيار المحكمين، من بينها الحصول على مؤهل قانوني، وحسن السمعة، وعدم صدور أحكام جنائية مخلة بالشرف، وعدم الانتماء إلى الجهاز الإداري للدولة، فضلًا عن اجتياز برامج تدريبية واختبارات تأهيلية، بما يحقق الكفاءة ويعزز الثقة في منظومة التحكيم.
وقد استهدفت هذه التعديلات تحقيق جملة من الأهداف، في مقدمتها جعل التحكيم خيارًا إراديًا لا مفروضًا، بما يشجع الأطراف على اللجوء إليه، إلى جانب تقليل الاعتماد على القضاء من خلال توفير آلية سريعة ومتخصصة لفض المنازعات، فضلًا عن تعزيز الضمانات القانونية لتنفيذ الأحكام التحكيمية والحد من المماطلة والتأخير.
وفي الختام، يمكن القول إن التحول الذي جاء به قانون العمل الجديد لا يقتصر على مجرد تعديل إجرائي، بل يمثل إعادة صياغة حقيقية لفلسفة تسوية المنازعات العمالية في مصر، بما يعكس توجهًا نحو العدالة المرنة والفعّالة. ومن شأن هذا التطور أن يعزز ثقة أطراف العلاقة التعاقدية في آليات التحكيم، ويدعم مناخ الاستثمار، ويُرسخ مبادئ الاستقرار في علاقات العمل، بما يحقق في النهاية توازنًا عادلًا ومستدامًا بين مصالح العمال وأصحاب الأعمال.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى